قيام الليل: كيف تصلي التهجد وتنال قسطك من النوم
صلاة داود عليه السلام جدول نوم أيضاً. ماذا تقول السنة عن قيام الليل، وكم يكلّفك الاستيقاظ في الليل، وكيف تخطط له حتى تداوم عليه.
ماذا يقول القرآن والسنة عن قيام الليل
يأخذ التهجد اسمه من الفعل الوارد في هذه الآية، والخطاب فيها للنبي ﷺ:
﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ سورة الإسراء، الآية ٧٩[٩]
وللثلث الأخير من الليل مكانة خاصة. قال النبي ﷺ:
يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ. صحيح البخاري ١١٤٥[١٠]
ومتى يبدأ هذا الثلث الأخير يتوقف على طول الليل حيث تعيش، وهو يتغير على مدار السنة. ولا تنشر هذه المدونة مواقيت الصلاة: اسأل مسجدك أو عالماً تثق به كيف يُحدَّد.
صلاة داود جدول نوم أيضاً
أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. صحيح البخاري ١١٣١[١]
إذا قرأته بعين من يخطط لنومه، وجدت ليلة من ثلاثة أجزاء: نوم، ثم صلاة، ثم نوم. وبالشكل نفسه وصفت عائشة رضي الله عنها ليل النبي ﷺ:
كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ. صحيح البخاري ١١٤٦[١١]
وهذا ما تصير إليه أجزاء ليلة داود الثلاثة في ليالٍ مختلفة الطول. خذ طول ليلتك من مسجدك، والباقي حساب.
| إن كان الليل | النوم الأول (½) | الصلاة (⅓) | النوم الثاني (⅙) | مجموع النوم |
|---|---|---|---|---|
| ٨ ساعات | ٤ ساعات | ساعتان و٤٠ دقيقة | ساعة و٢٠ دقيقة | ٥ ساعات و٢٠ دقيقة |
| ٩ ساعات | ٤ ساعات و٣٠ دقيقة | ٣ ساعات | ساعة و٣٠ دقيقة | ٦ ساعات |
| ١٠ ساعات | ٥ ساعات | ٣ ساعات و٢٠ دقيقة | ساعة و٤٠ دقيقة | ٦ ساعات و٤٠ دقيقة |
| ١٠ ساعات ونصف | ٥ ساعات و١٥ دقيقة | ٣ ساعات و٣٠ دقيقة | ساعة و٤٥ دقيقة | ٧ ساعات |
| ١٢ ساعة | ٦ ساعات | ٤ ساعات | ساعتان | ٨ ساعات |
العمود الأخير هو موضع الصعوبة. يوصي علم النوم البالغين بسبع ساعات أو أكثر بانتظام،[٢] وثلثا الليل لا يبلغان ذلك إلا في الليالي الطويلة. أما في ليلة صيفية قصيرة، فالنمط الكامل يتركك دون ذلك بكثير، ولهذا يتناول باقي المقال الصيغ الأصغر وكيف تعوّض كلفتها.
والليلة المقسّمة ليست غريبة في ذاتها. ففي تجربة بالمعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية، بدأ متطوعون أصحاء قضوا ١٤ ساعة من كل ليلة في الظلام ينامون غالباً على دفعتين تمتد كل منهما ساعات، بينهما ساعة إلى ٣ ساعات من اليقظة.[١٢] كان ذلك مختبراً بليالٍ طويلة جداً، لا غرفة نوم عادية. لكنه يُظهر أن الاستيقاظ في منتصف الليل ليس في ذاته علامة على خلل.
لماذا يثقل القيام في الثلث الأخير
النوم العميق يتركّز في البداية. فهو يتصاعد داخل كل دورة نوم، ثم تتراجع سرعة تصاعده وأقصى عمقه من دورة إلى التي تليها.[٣] وحين تبلغ آخر الليل، يكون معظم نومك الأعمق قد مضى.
أما هل يجعل الاستيقاظ من النوم العميق الثقل أشد، فذلك لم يُحسم بعد، والدراسات فيه مختلفة.[٤] الواضح هو أثر الساعة البيولوجية: يكون الثقل بعد الاستيقاظ في أشده خلال الليل البيولوجي، قرب أدنى درجة حرارة للجسم. وفي إحدى الدراسات، زادته قلة النوم سوءاً، ولا سيما حين أُوقظ المشاركون عند أدنى نقطة في الدورة، نحو الساعة ٣ ليلاً.[٤] فإن كنت تنام عادةً حتى الصباح، فتوقّع أن تكون الدقائق الأولى من قيام الليل أصعبها، وأن تكون أصعب بعد ليلة قصيرة.
وما يعين في تلك الدقائق هو ما يعين في الفجر: ثلاث خطوات من السنة، وما يضيفه علم النوم. أما لماذا يدوم هذا الضباب كما يدوم، فذلك موضوع مقال مستقل: خمول النوم، بالتفصيل.
كم يكلّف قيام الليل، وكيف تعوّضه
القيام يكلّف نوماً: الدقائق التي تقضيها مستيقظاً، ومعها المدة التي تحتاجها لتغفو من جديد. فهل النوم المتقطع أسوأ من القدر نفسه متصلاً؟ تشير دراسة مخبرية إلى ذلك. فقد خسر بالغون أصحاء أُوقظوا ثماني مرات كل ليلة، ثلاث ليالٍ متتالية، قدراً أكبر من النوم العميق ومن المزاج الطيب، مقارنةً بمجموعة نامت المجموع نفسه في كتلة واحدة أقصر.[١٣] غير أن ثماني يقظات تقطيع أشد بكثير من صلاة واحدة، فلا تستطيع الدراسة أن تخبرك بأثر يقظة واحدة مخطط لها.
والخبر الطيب أن المجموع يمكن استكماله. ففي دراسة مخبرية على ٩٠ بالغاً بصحة جيدة، قضى المشاركون بين ٤٫٢ و٨٫٢ ساعات في السرير ليلاً مدة ١٠ أيام، وحصل معظمهم أيضاً على قيلولة بعد الظهر تصل إلى ٢٫٤ ساعة. وارتبطت اليقظة والنعاس أساساً بمجموع الوقت في السرير خلال ٢٤ ساعة، أياً كان توزيعه بين الليل والقيلولة.[٥] وكانت القيلولة جزءاً معتاداً من يوم الصحابة؛ قال سهل بن سعد رضي الله عنه عن يوم الجمعة:
مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. صحيح البخاري ٩٣٩[١٤]
فالقاعدة بسيطة: كل وقت تقضيه مستيقظاً في الليل، أضفه إلى نومك في موضع آخر. نَم أبكر بالقدر نفسه، أو خذ قيلولة في أول العصر.
الحدود التي تضعها السنة
بلغ النبيَّ ﷺ أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقوم الليل كله ويصوم النهار كل يوم، فأقرّ عبد الله بذلك. فكان الجواب:
فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقٌّ، وَلأَهْلِكَ حَقٌّ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ. صحيح البخاري ١١٥٣[٦]
ولحظةَ يغلب النوم في أثناء الصلاة:
إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لاَ يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ. صحيح البخاري ٢١٢[٧]
وحين سُئل النبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله، قال:
أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ. وَقَالَ: اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ. صحيح البخاري ٦٤٦٥[٨]
فالغاية قيام تداوم عليه، لا أطول قيام تقدر عليه مرة واحدة. أما كم يستغرق الروتين الجديد حتى يصير تلقائياً، فذلك موضوع مقال مستقل: كم يستغرق تكوين العادة فعلاً.
ثلاث طرق لتجعله جزءاً من ليلتك
هذه طرق لتخطيط نومك، لا أحكام شرعية. كم تصلي ومتى، فذلك بينك وبين الله؛ ولمسائل الفقه، اسأل عالماً.
- قبيل الفجر مباشرة. اضبط منبّهاً قبل منبّه الفجر بالمدة التي تريد أن تصليها، ونَم أبكر بالمدة نفسها. فيبقى نومك كتلة واحدة.
- في الليل، ثم العودة إلى الفراش. استيقظ وصلِّ ثم عُد إلى فراشك حتى الأذان، كما في وصف عائشة رضي الله عنها.[١١] قدّم موعد نومك بقدر الوقت الذي تقضيه مستيقظاً، مضافاً إليه الوقت الذي تحتاجه لتغفو من جديد. وفي طريق عودتك إلى الفراش، اجعل الأضواء خافتة والهاتف جانباً: ففي دراسة مخبرية، احتاج من قرؤوا على جهاز لوحي مضيء قبل النوم وقتاً أطول ليغفوا، مقارنةً بقراءتهم كتاباً مطبوعاً.[١٥]
- ليلة داود كاملة. في ليالي الشتاء الطويلة، يُظهر الجدول أعلاه أنها قد تترك ٧ ساعات من النوم. وفي الليالي الأقصر، لا بد من قيلولة تعوّض الفرق.[٥]


